مجلس الصحافة النمساوي يدين صحيفة “Kronen Zeitung” بسبب تقرير مضلل يستهدف السوريين والأجانب

النمسا ميـديـا – فيينا:
أدان المجلس الأعلى للصحافة النمساوية (Presserat) صحيفة “Kronen Zeitung” وموقعها الإلكتروني “krone.at” بسبب نشر تقرير صحفي مضلل ومميز عرقياً يهاجم المهاجرين والأجانب تحت مسمى “سياح المستشفيات”، حيث كشف المجلس في قرار رسمي أن المادة المنشورة خرقت بنود ميثاق الشرف الصحفي المتعلقة بالدقة والنزاهة والتمييز والافتراء الجماعي ضد جنسيات محددة، وفي مقدمتهم السوريون والأفغان والأوكرانيون والأتراك والإيرانيون والعراقيون.
تفاصيل التقرير الصحفي والاتهامات الموجهة للجنسيات الأجنبية وكان التقرير الصحفي الصادر في الصحيفة وموقعها الإلكتروني قد تطرق إلى واقع القطاع الصحي في النمسا، مروجاً لفكرة أن المستشفيات أصبحت مكتظة وأن قوائم الانتظار باتت طويلة للغاية، قبل أن يستند إلى أرقام صنفها بالصادمة تتحدث عن تقديم 22 مليون علاج للاجئين والمهاجرين الذين “لم يدفعوا سنتاً واحداً في النظام الاجتماعي”. وتحت عنوان فرعي “سوريون، أفغان وآخرون: 6000 مريض يومياً”، زعمت الصحيفة استناداً إلى استجواب برلماني مقدم من حزب الحرية النمساوي (FPÖ) لوزارة الشؤون الاجتماعية، أن الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2024 شهدت إرهاقاً للنظام الصحي المحلي من قبل رعايا عشر جنسيات محددة وهي: الأفغان، والأفارقة، والهنود، والإيرانيون، والعراقيون، والليبيون، والباكستانيون، والسوريون، والأتراك، والأوكرانيون، بمتوسط 6000 زيارة يومية للمستشفيات. ونقل التقرير عن سياسية من حزب الحرية قولها إنه لا عجب في انتظار المواطنين النمساويين لفترات طويلة للحصول على مواعيد العمليات الجراحية طالما أن تدفق المهاجرين يعطل المنظومة الصحية.
ادعاءات جراحات التجميل والتكاليف المليارية على نفقة دافعي الضرائب وفي سياق متصل، وُجّهت الاتهامات في التقرير تحت عنوان فرعي آخر “شد الوجه وتكبير الشفاه على نفقة دافعي الضرائب”، حيث ادعت الصحيفة وجود أرقام ملفتة في إحصائيات الجراحة التجميلية تشمل عمليات التجميل التحسينية. وزعمت أن السوريين والأفغان خضعوا لأكثر من 1100 عملية “تجميلية” في عام واحد فقط، بينما بلغت حصة الأوكرانيين ثلاث عمليات يومياً. كما وصف التقرير أفغانستان بـ “بلد طالبان”، مشيراً إلى تصدرها قائمة العلاجات الإدمانية بواقع 1257 علاجاً داخل المستشفيات عام 2024 “على نفقة دافعي الضرائب”. وبناءً على تقديرات مفترضة لتكلفة السرير بـ 600 يورو يومياً، خلصت الصحيفة إلى أن التكلفة الإجمالية لـ “سياح المستشفيات” تصل إلى عدة مليارات من اليوروهات.
شكاوى القراء وتحرك المجلس الأعلى للصحافة النمساوية وعلى إثر ذلك، تلقت هيئة المجلس الأعلى للصحافة (Presserat) عدداً كبيراً من الشكاوى من القراء الذين انتقدوا المادتين الصحفيتين بوصفهما مضللتين ومميزتين. وأكد الشاكون أن المقال يصور البشر بناءً على جنسياتهم وأصولهم كعبء مالي وضرر على النظام الصحي، متجاهلاً التقييم الموضوعي والمصنف للأرقام، مثل حقوق الرعاية الصحية القانونية وأسباب العلاج ومقارنتها بفئات المجتمع الأخرى. كما أشار القراء إلى وجود تحققات صحفية (Faktenchecks) في وسائل إعلام أخرى كشفت التضليل في التقرير. ومن جانبه، أكد المجلس (السنات 3) أنه رغم كون القطاع الصحي موضوعاً ذا أهمية عامة قصوى وحرية الصحافة فيه واسعة (وفق البند 10 من الميثاق)، إلا أن تناول قضايا الهجرة يقتضي أعلى درجات التقصي والدقة (وفق البند 2.1) لمنع إثارة المخاوف المشروعة أو المشاعر السلبية لدى القراء.
حقائق بالأرقام: نسبة استهلاك الأجانب للخدمات الصحية أقل من نسبتهم السكانية وأوضح المجلس الصحفي النمساوي أن الفرضية الأساسية للتقرير – والتي تزعم أن الأجانب يستغلون المستشفيات المحلية بدرجة أكبر من النمساويين – قد تم تفنيدها كلياً عبر تدقيق الحقائق المنجز من قبل وسائل إعلامية مثل “Profil” و”Falter” و”Moment.at”. وتُظهر البيانات الرسمية للفترة بين 2015 و2019 أن مواطني الدول الثالثة (من غير دول الاتحاد الأوروبي) شكلوا فقط 9.4% من إجمالي مرضى المستشفيات، على الرغم من أن نسبتهم من إجمالي السكان في النمسا تبلغ نحو 20%. وبالمثل، فإن إقامات الأجانب ليلياً في المستشفيات لم تتجاوز 10% من إجمالي الليالي العلاجية. وانتقد المجلس تقديم رقم “22 مليون” بشكل معزول ومجرد دون وضعه في سياقه الإجمالي الصحيح مقارنة بالإحصاءات العامة.
تفصيل الجنسيات والتفنيد العلمي لمفهوم “الزيارات اليومية” وفيما يتعلق بالجنسيات العشر المحددة في التقرير (السوريون، الأفغان، الأوكرانيون، الأتراك، الإيرانيون، العراقيون، الليبيون، الباكستانيون، الهنود، والرعايا الأفارقة)، كشفت التحقيقات أن الـ 22 مليون إجراء طبي المقدمة لهذه الجنسيات طوال تسع سنوات لا تتعدى 2.75% من إجمالي الخدمات الطبية في النمسا خلال تلك الفترة، في حين أن أبناء هذه الجنسيات يمثلون 4.8% من إجمالي السكان المقيمين. وهذا يعني أن استهلاكهم للخدمات الطبية يقل بكثير عن نسبتهم السكانية، مما يجعل وصفهم بـ “العبء الأكبر” أمراً مضللاً وغير موضوعي. كما فند المجلس ادعاء “6000 زيارة يومية”، موضحاً أن البيانات تتعلق بـ “الخدمات الطبية الفردية” (MEL)، حيث يمكن للمريض الواحد في زيارة واحدة للعيادات الخارجية تلقي 15 خدمة طبية أو أكثر (كالاستشارة، الأشعة، وتحاليل المختبر)، وبالتالي فإن احتساب كل إجراء كـ “زيارة مستشفى منفصلة” هو خطأ حقيقي وتدليس للواقع.
إغفال مساهمات المهاجرين المالية وتفنيد خرافة “عمليات التجميل” وانتقد المجلس عدم التطرق لمقدار مساهمات أبناء هذه الجنسيات في التأمين الاجتماعي، حيث أغفل التقرير تماماً وضعهم التأميني ودفعهم للارتباطات المالية. وبحسب بيانات مكتب الإحصاء النمساوي (Statistik Austria)، يضخ الأشخاص ذوو الأصول المهاجرة سنوياً نحو 20 مليار يورو في صندوق التأمين الاجتماعي النمساوي، مما يجعل استخدام مصطلح “سياح المستشفيات” بحقهم افتراءً غير مبرر. أما بشأن “عمليات التجميل”، كشفت ردود وزارة الصحة النمساوية أن مصطلح “الجراحة التجميلية” الوارد في الإحصاءات الرسمية يشير حكماً إلى التدخلات الطبية الضرورية علاجياً (مثل إصلاح تشوهات الحوادث، الحروق، أو الأورام)، في حين أن النظام الصحي العام في النمسا لا يغطي إطلاقاً التجميل التحسيني (كشد الوجه أو شفط الدهون) دون دواعي طبية. علاوة على ذلك، كشف المجلس خطأ حسابياً كارثياً بالتقرير، حيث ضُربت تكلفة السرير اليومية (600 يورو) بعدد الإجراءات الفردية بدلاً من عدد أيام الإقامة الفعلية.
إدانة أخلاقية للصحيفة ورفض الاعتراف بالتحكيم وبناءً على هذه التجاوزات، خلص مجلس الصحافة النمساوي إلى أن المادة الصحفية قدمت بصورة مشوهة للغاية وشكلت خرقاً صارخاً للبند 2.1 (النزاهة والدقة) والبندين 7.1 و7.2 (الافتراء الجماعي والتمييز) من ميثاق الشرف الصحفي، مشيراً إلى أن التجميع الانتقائي للجنسيات يهدف إلى إثارة الكراهية والتحريض ضد المهاجرين واللاجئين. يذكر أن إجراءات القضية تمت بشكل مستقل بناءً على شكاوى الجمهور من قبل المجلس، وهو جهة مستقلة تضم نقابات الصحفيين والناشرين في النمسا، في حين امتنعت إدارة “Kronen Zeitung” و”krone.at” عن المشاركة في إجراءات التحقيق أو الاعتراف بسلطة مجلس الصحافة التحكيمية.



